ساسي سالم الحاج
139
نقد الخطاب الاستشراقي
وبعد أن يعرض « موير » ظروف وملابسات الآيات الشيطانية طبقا لما أوردناه ، ويؤسّس عليها النتيجة المنصوص عليها في الفقرة السابقة ، يرى أن هؤلاء المهاجرين عندما اقتربوا من مكة وجدوا النزاع على أشدّه بين محمد وقريش وذلك بعد انسحابه من التسوية التي أقرّها معهم والتي كانت من نتيجتها زيادة اضطهاد قريش للمسلمين . وبعد أن تشاور هؤلاء النفر مع بعضهم قرّروا الدخول إلى مكة وزيارة بيوتهم ، فإذا تعرّضوا إلى سوء عادوا من جديد إلى الحبشة . وهكذا دخلوا جميعا مكة تحت حماية أقاربهم وأصدقائهم إلا عبد اللّه بن مسعود الذي قيل عنه أنه لا أقارب له يحمونه ولا أصدقاء له يجيرونه فقد عاد بعد قليل إلى الحبشة « 1 » . عالج « مونتجمري وات » هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة ، وشكك في تاريخ حصولها . وأكّد أنها قد حصلت بعد تلاوة الآيات الشيطانية ونسخها . كما شك في حصول هجرتين إلى الحبشة . واستند إلى تحاليل « كايتاني » في حولياته الذي ينفي هو الآخر حصول الهجرتين إلى الحبشة استنادا إلى رأي ابن إسحاق الذي لا يقول صراحة بوجود هجرتين . ولم يذكر جماعة عادت من الحبشة لتهاجر من جديد مرة ثانية . وإن أورد قائمتين بأسماء المهاجرين لقوله « وكان أول من خرج من المسلمين » ثم يذكر قائمة صغيرة ، ويردف قائلا : « ثم خرج جعفر بن أبي طالب ، وتتابع المسلمون » . وبعد أن يعرض « وات » آراء ابن إسحاق حول هاتين القائمتين وأنه - أي ابن إسحاق - يشك فيهما أيضا ، يؤكد أنه لم تحدث إلا هجرة واحدة على مراحل استغرقت عدة سنوات . ثم يقدم « وات » تفسيرا عن كيفية وصول قائمتين من المهاجرين إلى الحبشة لأن ذلك يساعد بقوة على تأكيد النظرية القائلة بوجود هجرة واحدة مستمرة . ويتلخّص هذا التفسير في قيام عمر بن الخطاب في السنة الخامسة عشرة للهجرة بتعديل نظام الأعطيات الذي كان يعتمد على الأسبقية إلى الإسلام . وكان المسلمون الأوائل طبقا لتواريخ اعتناقهم الإسلام يتقاضون أكبر الأعطيات ويأتون في الترتيب بعد زوجات الرسول وأقاربه . وكانت هذه القائمة « المفضّلة » تتألف من المهاجرين الذين اشتركوا في الهجرة . وكل من برهن على قيامه بهجرة أو هجرتين ينال شرفا رفيعا يؤهّله لاحتلال أرفع درجات النبل في الإسلام . ولكن عمر بن الخطاب
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 160 .